ابن أبي شيبة الكوفي
513
المصنف
لهم رسول الله ( ص ) : أترون أن نمضي لوجهنا ، ومن صدنا عن البيت قاتلناه ، ألم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم ، فإن أتبعنا منهم عنق قطعة الله ، قالوا يا رسول الله ! الامر أمرك والرأي رأيك ، فتيامنوا في هذا الفعل ، فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم فترة الجيش وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط القوم يقال له بلدح ، فبركت فقال : حل حل ، فلم تنبعث ، فقالوا : خلات القصواء ، قال : إنها والله ما خلات ، ولا هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، أنا والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها ) ، ثم زجرها فوثبت ، فرجع من حيث جاء عوده على بدئه ، حتى نزل بالناس على ثمد من ثماد الحديبية ظنون قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضا ، فشكوا إلى رسول الله ( ص ) قلة الماء ، فانتزع سهما من كنانته ، فأمر رجل فغرزه في جوف القليب ، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن ، فبينما هو على ذلك إذ مر به بديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة ، فقال : يا محمد ! هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل ، يقسمون بالله ليحولن بينك وبين مكة حتى لا يبقى منهم أحد ، قال : يا بديل ! إني لم آت لقتال أحد ، إنما جئت أقضي نسكي وأطوف بهذا البيت ، وإلا فهل لقريش في غير ذلك ، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون ، ويخلون فيها بيني وبين الناس ، فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا ) ، قال بديل : سأعرض هذا على قومك ، فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا : من أين ؟ قال : جئتكم من عند رسول الله ( ص ) ، وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت ، فقال أناس من سفهائهم : لا تخبرنا عنه شيئا ، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم : بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت ؟ فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله ( ص ) وما عرض عليهم من المدة ، قال : وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي ، فوثب فقال : يا معشر قريش ! هل تتهمونني في شئ ، ألست بالولد ولستم بالوالد ، أو لست قد استنفرت لكم أهل عكاظ ، فلما ملجوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني ، قالوا : بلى ، قد فعلت ، قال : فاقبلوا من بديل ما
--> ( 30 / 18 ) غائط القوم : أرض منخفضة خلفهم . ثمد : ماء قليل لا مادة له أو الحفر فيها ماء قليل أو ماء المطر يبقى محقونا تحت الرمل ، فإذا كشف أدته الأرض أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف . من ذوي أسنانهم : من الكبار في السن .